فارس بيه المليونير

نُشر منذ 3 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

بدت خديجة كامرأة متطلبة وعنيدة، كأنها تحاول عمداً دفع إسراء للاستسلام، لكن إسراء قابلت كل طلب بابتسامة صامتة وسرعة فائقة لم تدع للسيدة مجالاً لشكوى واحدة. حتى أوشكت الساعة أن تقارب الثانية ظهراً، حين فُتح باب الجناح فجأة دون استئذان. دخل فارس، بخطواته الثابتة ورائحته العطرية المميزة التي تسبق حضوره، يرتدي بدلة داكنة تدل على أنه عائد لتوه من شركاته، وعيناه لا تبحثان إلا عن شخص واحد.

تسمرت إسراء في مكانها وهي تمسك بآنية ماء صغيرة، بينما نظرت السيدة خديجة لابنها بعتاب:«مش عوايدك تدخل كده يا فارس، ولا حتى خبطت.» تجاهل فارس كلام والدته، واقترب ببطء حتى وقف على مسافة خطوتين من إسراء، يرمقها بنظرات تفحص باردة، ثم ابتسم تلك الابتسامة التي تشعل النيران في عروقها:«أشوفك اندمجتي في الشغل بسرعة.. كويس، يبقى تستحملي أول مهمة رسمية بره أوضة أمي. » سألته إسراء بنبرة متماسكة رغم رجفة أصابعها:«مهمة إيه يا باشا؟

شغلي هنا مع الست خديجة وبس.» «لأ يا حلوة.. الخدامة بتخدم أهل البيت كلهم،» قالها بصوت هادئ ومستفز، ثم أخرج من جيبه مفتاحاً صغيراً وألقاه على الطاولة بجوارها ليصدر رنيناً معدنياً حاداً:«مكتبي في الدور الأرضي.. فيه أوراق على المكتب لازم تتصنف، وتجيبيلي ملف لونه أحمر عليه ختم أحمر من الخزنة الصغيرة ورا اللوحة. وممنوع حد يلمس ورقة غيرك.. يلا، وريني كفاءتك.» نظرت له بريبة:«وأنا إيش عرفني بأوراقك وملفاتك؟

» «أنتِ مش كنتي بتشتغلي سكرتيرة في الشركة قبل ما تحطي مناخيرك في اللي ملكيش فيه وتعرفي سر المصنع اللي اتقفل؟» انحنى نحوها حتى غابت المسافة بينهما، وهتف بنبرة ذات مغزى خفي أرعبها: «ولا نسيتي سبب طلقة الرصاص اللي خدتيها في كتفك؟» شهقت إسراء، ورجعت خطوة للخلف بينما التفتت الست خديجة لابنها بحدة:«فارس! كفاية لعب بالأعصاب، البنت هنا في حمايتي.

» «حمايتك على راسي يا أمي، بس دي أصول الشغل..» قالها وهو يلتفت ببرود خارجاً من الغرفة: «قدامك نص ساعة يا إسراء.. الملف يكون على ترابيزة الغدا، وإلا الحراسة اللي على بيت بنتك وعمها هيتسحبوا الليلة.. والشارع أنتي عارفة مفيهوش رحمة.» كانت الضربة تحت الحزام مباشرة. ذكرى ابنتها "نور" الصغيرة جعلت الأرض تدور بها، وعرفت أنه لن يتورع عن استخدام أثمن ما تملك ليجبرها على الانحناء.

نزلت إسراء الدرج بخطوات متسارعة، قلبها ينبض في حلقها، متجهة نحو مكتبه الفخم ذي الأبواب الخشبية المنقوشة. دخلت وأغلقت الباب خلفها، كان المكان يعبق برائحة التبغ والجلد الفاخر، صامت ومظلم إلا من شمس الظهيرة المتسللة من الستائر الثقيلة. توجهت نحو اللوحة الكبيرة المعلقة خلف المقعد الجلدي الضخم، رفعتها بأصابع مرتجفة لتجد الخزنة الصغيرة. أدخلت المفتاح، فدارت الأقفال بنقرة خافتة، وانفتح الباب المعدني.

مدت يدها لتسحب الملف الأحمر، لكن بصرها وقع بالصدفة على أوراق أخرى مكدسة إلى جانبه؛ كانت تقارير مراقبة وصوراً فوتوغرافية. تجمدت يداها وهي ترى صورتها هي، وصورة طفلتها في حضانة القرية، وصوراً لرجال مجهولين ملثمين يتربصون بمدخل حارتهم القديمة. وفوق إحدى الصور، كانت هناك ورقة بخط يد فارس ومكتوب عليها:(الهدف: إسراء.. الأوامر: تُحمى بكل السبل، لا يُسمح لرجال شاكر المنياوي بالوصول إليها حتى لو كلف الأمر كشف هويتنا داخل شبكتهم).

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
aa

ahmed ahmed ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
3مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان